«محمد الحوت؟» تسأل سائق السرفيس العاشر الذي توقف لمعرفة وجهتك. ثم تتنهد ارتياحا لقوله: تفضلي. جو من الانتقام الخفي يهيمن على الشارع المتوتر بسبب من تنفيذ الدولة منع تجول السيارات العاملة على المازوت. انتقام سائقي البنزين العموميين من الراكب الذي كان «يطلع مع مين من كان وكيف من كان» توفيرا لمصلحته المادية. جاء يوم الحساب وأصبح على الركاب، الذين ضحوا بالنوعية التي كان يؤمنها سائقو البنزين، ان يدفعوا ثمن عودتهم الى النظام من جيوبهم.
جو من الانتقام يجعل الراكبة المنتظرة على الرصيف، تحرج لمرور سيارات البنزين العديدة بها مترفعة عن إقلالها. تحس ان عليها دفع تهمة «الرصيف» عن نفسها أمام الصراف الذي يقف عادة عند الناصية. فتعبس لا شعوريا وترفع صوتها كثيرا لكي يسمع من يريد انها زبونة وليست.. بائعة!
أما الاحساس الآخر الذي ينتابك فهو ان الشارع فرز وفق تمييز طبقي جغرافي جديد، كونك انتقلت من السكن في الحمرا الى راس النبع. لكنك تطمئن لعلوك الطبقي عما لا يحصى من ركاب الدرجة الثانية والثالثة، أي سكان الضواحي ممن يتَّمهم المازوت ولا يملكون اجرة «السرفيسين» المطلوبة. هكذا، بقوا متوقفين في مكانهم ينحنون امام كل سيارة اجرة تمر بهم ليعلنوا لها بصيغة السؤال عن وجهتهم، بلهجة فيها الكثير من التهذيب: برج البراجنة؟ او ببسمة هازئة ربما ولدتها وقفتهم الطويلة من دون طائل: دورة؟ او بافتعال لهجة ناعمة في النطق قد يكون لها وقع التخفيف من «فضيحة» اسم الوجهة خصوصاً ان كان الراكب انثى: «سبرا»؟
كل هؤلاء حصلوا على رد متشفّ من سائق البنزين العتيق، الذي بدا ان منع سيارات المازوت من العمل قد أعاد اليه شيئا من مكانته وتاريخه وبيروته القديمة: «قال صبرا قال؟ منذ متى كنا نسمع راكبا يقول لك صبرا من دون ان يردفها بكلمة: تاكسي؟ او سرفيسين؟ أما عندما يسأله راكب واقف في نزلة سبيرز: فردان؟ فإن السائق يرد بلهجة تشي بسعادة من نوع قديم: آسف، مش خطي. ثم ينظر اليك في المرآة مبتسما ليقول تعليقا ما عن أيام زمان «المازوتية» التي انتهت. متمنيا ان لا تعود أيام «برمة عروس» الركاب بعيدا عن وجهتهم.
أسود
مساء، تقف على الرصيف طلبا لسيارة سرفيس. نظافة في الهواء تجعلك تكاد تندم على انتقالك بسبب تلوث الحمرا الى منطقة ثانية في بيروت.. السيارة التي قبلت ان تقلني كانت مخلّعة. لكن لا خيار أمامي، فالعديد من «المنتقمين» مروا بي. والساعة شارفت على العاشرة مساء. زبون آخر غيري كان في المقعد الأمامي. الحديث نفسه يدور في كل سيارة. يقول الرجل: يللا، من بكرة السرفيس بألفين. يقولها وكأنه من واجبه ان يخبر كل الراكبين حتى يقلل من الصدامات المتوقعة غدا معهم: «يا أخي نحنا معكم، أقول له، لكن ألفين؟ كثير. لا يجب ان تضغطوا على الناس، عليكم بالضغط على الحكومة. لقد زيدت مؤخرا بدلات النقل الى ستة آلاف ليرة، لكن الموظف مثلي الذي يريد ان يأكل في بيته ليعود الى عمله سوف يكون مجبرا على صرف ثمانية آلاف ليرة! أي أكثر بألفين من بدلات النقل»!
ينزل الراكب الآخر في منطقة بشارة الخوري. يستطرد النقاش مع السائق الذي بدا متوترا. الكلام نفسه: شق السلطة لصفوف النقابة، »مافيات البنزين والمازوت، عدم استيراد مازوت جيد، فانات الحريري والمر المازوتية وورطة شرعيتها وكيف سيمنعوها، كره السنيورة الخ.. فجأة يحتدم السائق فيضرب بقبضته دفة القيادة وهو يكاد يبكي: والله يا عالم نحن أيضا مع الدولة كما اننا أكثر الناس تضررا من التلوث، لأننا مضطرون للعمل في الشارع وزحمات السير.. لكنني اليوم أخذت سيارتي، على فكرة انا لا زلت على المازوت، أخذتها الى النافعة لأسجلها: ضيعت نصف النهار! من التاسعة حتى الواحدة والنصف».
ثم يفتح بحركة سريعة تابلوه السيارة لتندلق منه أشياء عدة بينها اوراق رسمية: «هه هذه اوراقي: كلها جاهزة. ماذا أفعل الآن؟ قالوا يجب ان تروح الى دائرة الجمارك لإكمال الاجراءات. رحنا الى الجمارك: لكنهم قالوا ما معنا خبر لم نتبلّغ رسميا! قلنا لهم وماذا نفعل؟ عليّ ان اغير موتوري في نهار واحد. لا احتمل ان اتوقف عن العمل أكثر من نهار واحد: عندي عيلة يا أهل الله. قالوا: لا نقدر ان نعمل لك شيئا حتى ينزل في الجريدة الرسمية. ارجع بعد كام يوم».
نسأله ان يعطينا بعض التفاصيل لمتابعة الموضوع، فتغرورق عيناه بالدمع وينتظر للحظة مرور الغصة ليستطيع الكلام: «كثير الذل هيك. صر لي أربع ساعات أجول في الشارع بالسر، وأنا ادعو ربي ألا يقبضوا عليّ لأن سيارتي لا تزال على المازوت. مع ان سيارتي مصانة وليست مثل بقية «سرفيسات» المازوت التي تدخّن والوسخة. يعني يجب ان يوقفني الحاجز ويفتح غطاء «الموتور» حتى يعرف انها على المازوت. قالوا غيّروا، بدنا نغيّر ومنكوبين، لكنني لا أستطيع بسبب الجريدة الرسمية! ماذا أفعل؟ أولادي إذا لم أشتغل لن يأكلوا! لا أتكلم عن الدواء اتكلم عن الأكل. كان عندي مصلحة وقفت. عشر سنين محل ألبسة رجالية. وقف العمل. قلت: أعمل على السيارة، بعت موجودات المحل واشتريت نمرة سيارة كثر خير الله: كنت عم طلع بين عشرين وثلاثين ألف بالنهار. ماذا أفعل الآن؟ معقول رجل بعمري عم يشتغل بشرفه، آخرته ان يمشي بالشارع وحاطط يده على قلبه مثل الحرامي؟».
رمادي
»يا فتّاح يا رزّاق« تقول لنفسك وانت تتوجه الى خط السير طلبا لسيارة »سرفيس« تقلّك الى العمل. تفكر بمزاجك الرائع بعد ليلة نوم مريحة، ولا تريد ان يضيع منك بخناقات مع »الشوفارية«. تتذكر نشرة الأخبار والانقسام النقابي حول رفع أجرة السرفيس الى الضعف. السيناريو نفسه تقريبا: سيارات عدة تمر بك دون ان تقلك الى الحمرا! ثم تتوقف واحدة. بعد قليل تركب فتاة من نزلة الحص الى.. نزلة البريستول! تسأل نفسك وأنت لا تزال متجاهلا الأجرة ان كانت الفتاة سمعت بمضاعفة الأجرة. فمن نزلة الحص الى نزلة البريستول المسافة قريبة. فهل تدفع» سرفيسان «لهذه المسافة القصيرة؟ السائق أيضا لم ينبس ببنت شفة.
يحتدم النقاش في رأسي: أأشارطه منذ البداية؟ لا.. لا تقولي له شيئا إذا طلب ألفي ليرة. ببساطة ادفعي وأنزلي. لنرَ التطورات اليوم. لا تفسدي مزاجك من أجل ألف ليرة «. قبل الوصول الى الوجهة يلف السرفيس «من منعطف يلغي نزوله في نزلة السارولا» يا عمي وين رحت؟ «أسأله محتجة. يقول انه أخطأ، الا ان شيئا ما في صوته بدا وكأنه يكذب. لكنني ولعجبي، لم اغضب:» ماشي الحال خيي بنزل هون «. تكسر الشر، وتمد يدك بالألف ليرة متوقعا المواجهة.
لكن، تفاجأ بأن السائق أخذها ببساطة دون ان يعلّق. تنزل من السيارة غير مصدق، وقف ناظرا الى السرفيس الذي أكمل سيره.. لتتسع ابتسامتك كثيرا: لقد كان «داخون» السيارة الخلفي يطلق دخاناً مازوتياً لا يمكن إخطاؤه.