
على الرغم من الأحداث الجسيمة التي تشغل اللبنانيين منذ اندلاع انتفاضتهم في١٧ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، والتي لا زالت مستمرة ولو بزخم أقل، وبالرغم من انشغال المواطنين إضافة لهمومهم المعيشية المتدهورة بشكل خطير، بتداعيات إعلان «صفقة القرن» على بلادهم وعلى اللاجئين الفلسطينيين الموجودين على أراضيهم، إضافة لتفشي وباء كورونا الجديد في العالم، إلا أن عيوناً كثيرة لا زالت تراقب بعين الحذر والترقب، فصول محاكمة عامر فاخوري، العميل المشهور بلقب جلاد معتقل الخيام، والذي القي القبض عليه لدى عودته الى لبنان في سبتمبر/ايلول الماضي. في ظل محاولات أميركية ناشطة لإنقاذه من العدالة اللبنانية، بحجة كونه يحمل، إضافة الى هويته اللبنانية، الجنسية الأميركية. وهي محاولات يبدو أنها واجهت، لمرة نادرة، مقاومة قضائية قوية أدت إلى اصدار المحكمة العسكرية قرارها الاتهامي ضد فاخوري بارتكاب جرائم تصل عقوبتها الى الإعدام .
ضحى شمس
ربما كان من أخطر الأمور التي حصلت للبنان ما بعد الحرب الأهلية(١٩٨٩/١٩٧٥)، قرار دمج الميليشيات المتحاربة بالجيش اللبناني، من دون أي تدقيق او إجراءات تأهيلية لتلك الميليشيات التي لوثت ايديها بدماء اللبنانيين. أما الخطيئة الثانية الكبرى، فقد كانت عدم ملاحقة العملاء والمتعاونين مع اسرائيل «جدياً» عبر القضاء، إثر تحرير الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي العام ٢٠٠٠.
من هاتين الخطيئتين، ولدت فضيحة هزت الرأي العام اللبناني أخيراً: رجوع العميل الفارّ عامر الياس فاخوري، جلاد سجن الخيام، اسوأ سجون اسرائيل السرية في ما كان يسمى الشريط الحدودي جنوب البلاد المحتل يومها، الى العاصمة بيروت، عبر مطارها الدولي، ودخوله بجواز سفر اميركي، حصل عليه بالرغم من كونه محكوماً بالسجن غيابياً في لبنان، وبتواطؤ من عميد في الخدمة الفعلية في الجيش اللبناني.
كان هذا في ١١ أيلول/سبتمبر الماضي. صعق اللبنانيون لتفاصيل الخبر الذي أضاف: أن الأمن العام في المطار، وبعد التدقيق في ملف الفاخوري، المحكوم ١٥ عاما غيابيا العام ١٩٩٦ بجرم التعامل مع العدو، لم يستطع احتجازه! أما السبب؟ فقد تبين ان «جهة ما»، حذفت اسمه من النشرة « ٣٠٣ » التي تعمم فيها مخابرات الجيش اسماء المطلوب القبض عليهم لدى اجتيازهم الحدود!
كل ما استطاع أمن المطار ان يقوم به هو احتجاز جواز سفر فاخوري الأميركي، وتركه يخرج حراً، على أن يزور «مديرية الأمن العام» في بيروت في اليوم التالي للتدقيق، كونها تحتفظ بسجل أسماء المطلوبين من العملاء والإرهابيين حتى بعد سحب الإسم من النشرة. أما بالنسبة لعقوبته؟ فقد سقطت… بمرور الزمن! حسب القانون اللبناني الذي تعتوره ثغرات كثيرة أفلت «بفضلها» العديد من مجرمي الحروب، في بلاد تنتج من هذا الصنف أكثر من احتياجات أعدائها.
إلا أن ما أثار ريبة الأمن العام في سبب شطب إسم فاخوري من النشرة «٣٠٣»، كانت جملة دوّنت أسفل الوثيقة الرسمية المرسلة العام ٢٠١٨ من «مديرية مخابرات الجيش» تقول: « كونه أوقف وأجري له اللازم»!
لكن، متى أوقف وهو يدخل لبنان للمرة الأولى منذ هروبه مع جيش الاحتلال الاسرائيلي العام ٢٠٠٠؟
«جهة ما» مقابل «جهة ما»
مقابل «الجهة ما» التي شطبت الإسم، يبدو أن «جهة ما» أخرى سربت الخبر. ما كان له وقع القنبلة على الرأي العام، الذي عبر بأشكال متعددة عن غضبه، خصوصاً في المنطقة التي كان فاخوري يرتكب جرائمه فيها، أي في قرى وبلدات الجنوب. وما زاد الطين بلّة، نشر «جهة ما»، الأرجح هي نفسها التي سربت الخبر، لصور تجمع العميل فاخوري بقائد الجيش اللبناني الحالي جوزف عون (المحسوب على التيار الوطني الحر، حزب رئيس الجمهورية ميشال عون، والمرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية) في السفارة اللبنانية في واشنطن، أثناء احتفال السفير غابي عيسى (القريب من التيار نفسه) بمناسبة… الاستقلال!.
هكذا، اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي بهاشتاغ #لا_لعودة_العملاء، وهاشتاغ #الإعدام_لجزار_الخيام، للمطالبة بمحاكمة فاخوري لما ارتكبه خلال إدارته للمعتقل بإشراف الشاباك*(١). وكلها جرائم ترقى لمستوى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية حسب القانون الدولي. إلا إن ما لم يكن يعرفه هؤلاء، أن القانون اللبناني خالٍ من أي نصّ يوازي هذا الوصف والعقوبات المترتبة عليه، وبالتالي«لا عقوبة من دون نص».
فقد امتنع لبنان عن تعديل قوانينه وفق الاتفاقات والمعاهدات الدولية التي سبق أن وقع عليها، ومنها تلك التي كانت لتتيح توقيف فاخوري ومحاكمته بجرائم حرب فور دخوله أراضي لبنان.
ما أن اقترح محامو فاخوري ـ وبينهم أميركية أذنت لها نقابة محامي بيروت حضور المحاكمات دون التدخل، كون الموقوف حائز على الجنسية الأميركيةـ إطلاق سراح موكلهم وفقاً لمبدأ تقادم الزمن، حتى انتفض الأسرى المحررون من معتقل الخيام، لإيجاد ما يلزم قانونياً لمحاكمة الرجل ومعاقبته على جرائمه بحقهم. وقد تطوّع عدد كبير من المحامين لهذه المهمة. هكذا أدعى هؤلاء بالحق الشخصي على فاخوري، ومثلوا أمام القضاء للإدلاء بشهاداتهم تباعاً، وقص ما خضعوا له من تعذيب على يد العميل السابق للعدو وأعوانه، خلال جلسات التحقيق معهم وأحياناً بحضور مسؤولين إسرائيليين.
شهادات
في مقابلة مع إحدى المعتقلات النادرات اللواتي قبلن التحدث عن ظروف اعتقالهن والتحقيق معهن من قبل فاخوري، شرط عدم ذكر الاسم، روت السيدة التي لا تزال الدموع تفرّ من عينيها حين تتذكر، كيف كان يستمتع وأعوانه بتعذيب الأسيرات وهن في فترة الحيض. حيث كن يضربن بعنف على ظهورهن وبطونهن واثدائهن، ما كان يتسبب بنزيف دمائهن على الأرض مختلطة بالمياه الباردة التي كن يرشقن بها طوال ساعات التعذيب، ما كان يثير هزء وسخرية الجلادين. ومع أن فعل الاغتصاب التام لم يحدث، حسب ما قالت لاوريانت ٢١، الا أنها تتذكر بقوة كيف كانوا يستمتعون بتعريتهن وملامستهن خلال التعذيب، ان كان ذلك عبر كابلات الكهرباء او بقبضاتهم. وفي تعليلها لعدم حصول اغتصابات، ترجح السيدة انه كانت لدى الجلادين والمحققين أوامر بذلك «وإلا ما كانوا ليقصروا».
أما الأسرى الذكور، فقد كانوا يصلبون على عمود من الحديد لأيام في العراء من دون نوم أو طعام حتى توفي اثنان منهم. ولا ينسى الناجون من معتقل الخيام لفاخوري ومعاونيه، رمي القنابل المسيّلة للدموع داخل الزنازين الضيقة التي لا نوافذ لها، يوم قمعوا انتفاضة للأسرى العام ١٩٩٨، ما أدى الى وفاة أسيرين وإصابة الباقين بعلل مزمنة في التنفس وإعاقات أخرى.
والى الأسرى المحررين الذين سرعان ما نزلوا الشارع واحتلوا الشاشات، انتفض اللبنانيون، أو لنقل بدقة: جزء كبير منهم. وتساءلوا عن كيفية حذف إسم فاخوري من النشرة «٣٠٣»، وعن هوية العميد في الجيش الذي رافقه من المطار (أُوقف لاحقاً)، وظروف التقاط صور «خائن بلاده» كما وصفوه، مع قائد الجيش الحالي في سفارة لبنان بواشنطن. واستطراداً، مسؤلية «العهد»، أي رئيس الجمهورية ميشال عون وتياره اللذان رفعا، شعار «عودة المبعدين الى اسرائيل»، في تسهيل دخول فاخوري والإيحاء له بسهولة تبييض سجله، من أجل مكاسب طائفية، اقرأ إنتخابية!
معارك أهليه افتراضية
ألا أن تغريدة للمعتقلة السابقة سهى بشارة*(٢) أحدثت اشتباكاً على مواقع التواصل الاجتماعي. فقد غردت بشارة، التي ادعت للتو بالحق الشخصي على فاخوري، منتقدة «البعض وبينهم التيار الوطني الحر، المطالبين بعودة المبعدين قسراً»، وتساءلت السيدة التي تنتمي الى الحزب الشيوعي اللبناني عن صفة المبعدين التي تطلق على المتعاونين مع الاحتلال والذين فروا يوم التحرير خوفاً من انتقام المقاومة والأهالي «من أبعدهم بالأصل؟ وهم قد التحقوا بإرادتهم بجيش الخائن أنطوان لحد وفروا خلفه إلى إسرائيل». وتساءلت: «كيف يمكن أن يدخل (فاخوري) إلى لبنان وتسقط عنه صفة العمالة؟ هل ان هذه صفة تسقط بمرور الزمن؟»، مشيرة إلى أنّ «الجزء الأكبر من التعذيب كان يمارس بحق الأسرى من قبل الفاخوري نفسه والحراس الذين يخضعون مباشرة لإمرته».
ولم يتأخر بعض «العونيين» (وأكثريتهم الساحقة مسيحيون)، الذين ذُكروا بالإسم هذه المرة في تلميح لمسؤوليتهم، عن الرد بشراسة وابتذال مدهشين على تغريدة من يعتبرها اللبنانيون «أيقونة المقاومة الوطنية»! فقاموا بحفلة «سحل» معنوي ضدها على مواقع التواصل، ما استدعى ردوداً مماثلة و.. «دبكت»!.
لم يشفع لبشارة «مسيحيتها» عند هؤلاء المتعصبين الذين اعتبروها «خائنة للطائفة»! ما يشير إلى عمق الإنقسام الهوياتي البنيوي القديم بين اللبنانيين، المترجم تارة ايديولوجياً وتارة طائفياً. وهو انقسام إزداد حدة بعد الحرب الأهلية (١٩٧٥–١٩٨٩) التي انتهت على زغل، مقابل إعلان جميع من تورطوا فيها «فائزين»، أولاً بعفو عام أصدروه هم أنفسهم عن.. أنفسهم، ثم بحصّة في سلطة ما بعد «إتفاق الطائف».
اشتباك لغوي/أيديولوجي
إلا أن جملة محددة في تغريدة سهى بشارة، كانت الأهم في وصف الانقسام الهوياتي لبنانياً، حين تساءلت عن معنى تعبير «المبعدين قسراً» التي تستخدمها الأحزاب المسيحية في إشارة الى من فروا بإرادتهم عشية التحرير، الى أرض العدو خوفاً من انتقام مواطنيهم.
تجدر الإشارة الى أن هذا «الانتقام» لم يحصل ولو بأدنى مستوى، تلبية لنداء أمين عام «حزب الله» الذي تمنى على الأهالي يومها، ترك هذا الأمر للقضاء، درءاً لفتنة كانت إسرائيل تراهن عليها بخروجها المفاجيء من دون تحذير عملائها من الجنوب. كما دعا حسن نصرالله « العائلات البريئة»، يقصد عائلات العملاء، للعودة من أرض العدو الى ارض الوطن دون خوف. وطوال السنوات التي تلت تحرير الشريط الحدودي، عاد الكثير من هؤلاء بصمت نسبي متفق عليه وطنياً، ولو على مضض شعبي، مقابل أحكام قضائية مخففة.
إلا أنه في المقابل، كان هناك من يعمل على تأجيج مظلومية طائفية مسيحية في هذا الملف، لاستخدامها سياسياً، عبر استبدال كلمة «فارين» ب «مبعدين قسراً»، والمطالبة بالتالي السماح بعودتهم صوناً ل «التعايش الوطني»، اقرأ التوازن الديموغرافي/الطائفي، بما يعنيه من حصة في السلطة!
وأكثر من استخدم هذه «المظلومية» المزيفة كانت الأحزاب اليمينية المسيحية، وخصوصاً في الفترة الأخيرة، التيار الوطني الحر. وهو للمفارقة الحليف المسيحي لحزب الله في السلطة، بموجب اتفاق تاريخي يعرف باتفاق «مارمخايل»، على اسم كنيسة في الضاحية الجنوبية لبيروت معقل الحزب ومسقط رأس الرئيس اللبناني.
وفي الحقيقة، لم يتطرق حزب لله طوال السنوات الفائتة (علناً على الأقل) الى هذا العبث اللغوي، هو المعروف بدقته في التعاطي مع المصطلحات السياسية، الى أن .. عاد فاخوري.
هكذا، خرج حسن نصرالله الأمين العام للحزب في خطاب خصص معظمه لهذه القضية، ليشدد على أن «حساب العملاء يجب أن يكون شديداً وقاسياً (…) ومصطلح المبعدين إلى كيان الاحتلال خاطئ. هناك فارّون، وعلى الفارّ تسليم نفسه إلى السلطات اللبنانية إذا أراد العودة». واضاف إنّ المقاومة «تُميّز بين العميل وعائلته، وقد التزمت بهذه القواعد خلال الاحتلال (..) وسلمت العملاء للقضاء (..) وأيّ عميل يعود يجب أن يسلم نفسه للمخابرات كي يتمّ التحقيق معه».
وردا على «تأويل» البعض للبند السادس في وثيقة مار مخايل*(٣) خفة في التعاطي مع المتعاونين السابقين، قال نصرالله « كنا واضحين في موضوع الاتفاق. لا أحد يقول إنّه يجب أن تُفتح الحدود والمعابر للعملاء من دون أي حساب. هناك آليّات قانونيّة، ومن لم يتوّرَط بالعمالة أهلًا وسهلًا به، وهناك عائلات كثيرة عادت».
قانونياً
من الصعب الكتابة عن حدث في صدد الحصول كما في قضية فاخوري الذي يخضع حالياً، لإعادة محاكمته، بعد استرداد المحكمة العسكرية قراراً سابقاً لها قضى بمرور الزمن على جرائمه. فقد أثمر ضغط الأسرى المحررين من سجون الاحتلال الإسرائيلي، والشارع المساند لهم، بالالتفاف على الثغرات القانونية التي يمكن للمسؤول السابق في «جيش الجنرال انطوان لحد» المتعامل مع العدو خلال احتلاله للجنوب اللبناني(١٩٧٨/٢٠٠٠) أن يفلت منها. وذلك عبر الإدعاء الشخصي عليه بتهم «التعذيب وحبس الحرية ونقل معلومات الى العدو أضرت بمواطنين لبنانيين، فضلاً عن القتل والإخفاء القسري».
هذه النقطة الأخيرة، اي الإخفاء القسري، ربما كانت الأهم، كونها أتاحت لمحاميّ الادعاء أن يستفيدوا من بند «إستمرار الجريمة». ذلك أن أحد معتقلي الخيام، علي حمزة، فُقد خلال إعتقاله، بعد أن قام فاخوري بوضعه في صندوق سيارته –وفق شهود عيان–إثر جلسة تعذيب قاسية. كما يذكر هؤلاء أن حمزة كان يصيح باسم أولاده أثناء ذلك، أي أنه كان حياً. وعليه، ووفق سجلات القيد اللبنانية، فإن حمزة لا يزال على قيد الحياة، وقد انضم أهله إلى الدعاوى المرفوعة على أمل إيضاح مصيره.
لا جرائم حرب في بلاد الحروب
يؤكد استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية د. حسن جوني في حديث لموقعنا أن «جريمة الحرب» غير موجودة في القانون اللبناني. شارحاً أن «القضاء العسكري قبل التحرير وبعده، كان يتخذ احكاما مخففة، وفق اتفاق بين المقاومة والجيش، لتشجيع اللبنانيين تحت الاحتلال على العودة بأحكام شكلية لغير المرتكبين». ويستدرك قائلاً إن «جانباً تمادى في تخفيف تلك الأحكام حتى إن بعض المجرمين لم يحكم بأكثر من ٣ اشهر»!
أما بالنسبة للمسؤول اللحدي السابق، فهو «لن يحاكم على جرم العمالة الذي حكم به سابقاً، فهناك نص قانوني يمنع محاكمة المتهم مرتين على الجرم نفسه». لكنه ارتكب جرائم عدة بعدها كالتواصل مع العدو ومعاونته أثناء نزاع مسلح. كما أنه مثبت أنه دخل أراضي العدو وحاز، حسب أقواله هو، على الجنسية الإسرائيلية بعد فراره الى إسرائيل العام ٢٠٠٠. لذلك تعتبر جرائمه وحسب قانون العقوبات اللبناني وقوانين العالم اجمع :جريمة مستمرة».
يتنهد الخبير وهو يعدد المقصّرين في هذه القضية «فالدولة اللبنانية مقصّرة لأنها لم تضعه على قائمة الأنتربول ككل المطلوب ملاحقتهم لقضايا جنائية خطيرة، وثانياً كان على الدولة أن تطلب استرداده من الولايات المتحدة، وهي على علم بوجوده هناك، قبل أن تسقط عقوبته بمرور الزمن».
لكن، ماذا عن الولايات المتحدة التي وهبته جنسيتها وهو محكوم في بلاده بجرم العمالة؟ يجيب «هناك مباديء عامة في القانون الدولي تتناول تعقب وتسليم مرتكبي جرائم حقوق الانسان، وحسب الفقرة ٢ من قرار الجمعية العامة ٣٦/٤٩ العام ١٩٨٤، يمنع حق الملجأ لأي شخص توجد أسباب جدية للظن بارتكابه جرائم حقوق إنسان وجرائم حرب».
لكن فاخوري غير مدان بجريمة حقوق انسان، بالرغم من انضمام لبنان الى الاتفاقات الدولية التي سبق ووقعها! فما السبب؟ يقول جوني ان «التوقيع مختلف عن الانضمام»! وكيف ذلك؟ يجيب «التوقيع هو مجرد توقيع، لا يلزم الدول، اما الانضمام فيعني تصديق هيئات رسمية أخرى، كمجلس النواب مثلاً، على الاتفاقية، وعندها يسمى هذا انضماماً»!
ثم يتساءل الخبير «لكن، كيف استطاع فاخوري المحكوم في بلاده غيابياً، الحصول على الجنسية الأميركية؟ كيف يتوافق ذلك مع شروط الحصول على تلك الجنسية؟».
إلا ان جوني يستدرك مشدداً على إن الجنسية الأخرى التي يحملها المتهم «مهما كانت، لا تحميه من الخضوع لمحاكم بلده. فحسب قانون العقوبات اللبناني، إذا كان المجرم أو الضحية لبنانياً او وقع الجرم على الأراضي اللبنانية، فهذا يكفي لمحاكمته في لبنان. أي يبقى المجرم خاضعاً للقضاء اللبناني وإن اكتسب الجنسية الأجنبية». ويضيف «هذا يسمى بلغة القانون: عدم إسقاط عامل الجنسية، وهو مبدأ عام في كل العالم».
في الثالث من فبراير/شباط، كانت هناك جلسة تحقيق مقررة مع العميل فاخوري الا انها أجلت «بسبب خضوعه لعلاج كيميائي من السرطان» كما قال بيان المحكمة. ولقد بدا لفترة أن الجلسات ستؤجل مراراً في ظل مماطلة جهة الدفاع ربما بانتظار الوقت المناسب لتستطيع الضغوط الأميركية، التأثير في القضاء لتبرئته او اطلاق سراحه بمخرج قانوني ما. إلا ان قاضية التحقيق العسكري أصدرت في اليوم التالي لالغاء الجلسة قرارها الاتهامي لفاخوري بجرائم تصل عقوبتها الي الإعدام، كنوع من الإشارة الى أن المحاكمة ماضية في طريقها. وقد ناشدت عائلة المتهم الموجودة في الولايات المتحدة الأميركية، الرئيس دونالد ترامب شخصياً لمساعدته بحجة أنه أولاً ليس الشخص الذي كان في معتقل الخيام! وثانياً انه مريض بالسرطان في مرحلته الرابعة. لكن الأسرى المحررين من المعتقل الشهير، يهزون بروؤسهم ساخرين من تلك المحاولات البائسة لإنقاذ من لم يرحم مواطنيه حين كان يمثل سلطة المحتل الاسرائيلي.
ومع أن تاريخ لبنان في قضايا مماثلة لا يسمح كثيراً بالتفاؤل، وأخرها اغلاق القضاء لملف زيارة اللبناني الأصل كارلوس غصن، لإسرائيل (وهي في حالة حرب مع لبنان) خلال ترؤسه إدارة تحالف «رينو/نيسان» العام ٢٠٠٨، ومصافحته لرئيسها أيهود أولمرت بعيد حرب تموز العام ٢٠٠٦ التي دمرت «بلاده الأصلية»، إلا أنه لا بد من انتظار تطورات محاكمة فاخوري، على أمل أن يقوم لبنان المنتفض اليوم على نظامه الفاسد، بإنصاف ضحايا هذا الجلاد، لئلا يبقوا، كما في معظم ملفات الحرب الأهلية اللبنانية، معلقي الأبصار، بقلوب واجفة، بمطرقة القضاء، التي لولا أملهم بعدالته، لكانوا قد تحولوا منذ زمن بعيد من ضحايا إلى مجرمين، يقتصون بأنفسهم ممن ارتكبوا بحقهم وبحق وطنهم كل تلك الآثام.
*(١ )جهاز الأمن العام الإسرائيلي
*(٢) أطلقت سهى بشارة النار علي الجنرال انطوان لحد قائد ميليشيا «جيش لبنان الجنوبي» المتعامل مع اسرائيل في المنطقة المحتلة التي كانت تسمى الشريط الحدودي، بتكليف من جبهة المقاومة الوطنية والحزب الشيوعي، وذلك في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 1988، ما أدى إلى إصابته بجراح غير قاتلة، واعتقالها على الفور حيث زٌجت في معتقل الخيام.
*(٣) البند السادس من وثيقة تفاهم مار مخايل «انطلاقاً من قناعتنا بأن وجود أي لبناني على أرضه هو أفضل من رؤيته على أرض العدو فإن حل مشكلة اللبنانيين الموجودين لدى إسرائيل تتطلّب عملاً حثيثاً من أجل عودتهم إلى وطنهم آخذين بعين الاعتبار كل الظروف السياسية والأمنية والمعيشية المحيطة بالموضوع؛ لذلك نوجه نداء لهم بالعودة السريعة إلى وطنهم استرشاداً بنداء سماحة السيد حسن نصر الله بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان واستلهاماً بكلمة العماد عون في أول جلسة لمجلس النواب».