مدونة الكاتبة اللبنانية ضحى شمس

لانجري ومحمودات

لانجري ومحمودات
19/03/2021 doha chams

«اللللللللللله أكبر اللللللللللللله أكبر»… دوّى صوت الأذان غريباً هنا في أحد «المولات» على ساحل كسروان. كنت قد دخلت المكان لتزجية الوقت بالنظر الى المعروضات في قسم اللانجري النسائية، بانتظار أن تنتهي أختي من تسوّقها، كوننا كنا نقصد الأهل في اليوم الأول من رمضان لئلا يبقوا وحدهم على مائدة الإفطار.

دوّى صوت الأذان، فالتفتّ مستغربة من أين يأتي الصوت؟ بالتأكيد ليس بصوت جامع قريب، فنحن هنا بالضبط بين الكازينو وجونية. بدا الصوت آتياً من الداخل. وفيما كنت أتلفّت بحثاً عن مصدره، إذا بإحدى البائعات تخرج من خلف «ستاند» السوتيانات، مستنفرة استنفار الجيش أمام هجوم الأعداء، وتصيح بأعلى صوتها: «ييييه؟ شو هيدا الأللهو أكبر؟ منين جايي الصوت؟العمى؟ كأنو الواحد بالضاحية… سكتوه خلص يييه»!

وقفت للحظات متسمّرة في مكاني، غير مصدقة تلك الثقة بالنفس التي كانت السيدة تتقيآ بها عنصريتها، علناً وعلى رؤوس الأشهاد! وإذا بموظفة تهرع من الجهة المقابلة على صوت الأولى، فتنظر إليها بتواطؤ صريح وعلى وجهها أمارات الاستغراب نفسها، ثم تقلب كفيها علامة عدم التصديق والفهم!
استغرق الأمر دقيقة ربما، فيما كان الموظفون يخفّون للبحث عن مصدر الصوت الغريب بشكل محموم، كما لو كانوا يبحثون عن مطفأة لإخماد حريق شبّ فجأة!
«هيدا تلفونو ما هيك؟ بدو يصلّي؟ ايه يروح يصلي ببيتو… ييييه!» أردفت الأولى تتمة لاحتجاجها.. الفخور، أكاد أقول. نوع من وقاحة مطمئنة الى انها في بيئتها. ثم عادت الى مكانها بتمهل من أنهى مهمة اثبت فيها جدارته!
كنت ما زلت واقفة وفمي مفتوح من الدهشة علي ما اظن، فنظرت إليّ مستدرجة تواطؤي، لكنها، وبدلا من ذلك، سمعتني أقول مقلّدة طبقتها الصوتية «إيه وشو زاعجك بالأللهو أكبر؟ تقل ع طبعك الأذان؟» تسمّرت السيدة لحظة في مكانها غير مصدّقة. أما لماذا غير مصدقة؟ فلا أعلم. ربما افترضت أنه عليّ أن أطلق لحيتي لأكون معنية بكلامها العنصري، أو محجبة. يعني… شيء يشبه الكليشيه المسوّق عن «المحمودات»، وخاصة إن كانوا من الضاحية.
تنظر إليّ مدركة الورطة التي أوقعت نفسها بها، ثم تخفض عينيها وهي تسرع بخطاها المرتبكة، في حين كنت أواصل كلامي بالطبقة الصوتية ذاتها «وإيه؟ شو يا شجاعة؟ بطّلتي مزعوجة هلق؟ وللا قلّلك؟ شو رأيك نشوف المدير، وين الإدارة؟». لم أكن أحسب حساب ارتفاع ضغطي الوطني بعد يوم واحد من العودة من العطلة. ما إن سمعت الموظفة المتضامنة مع السيدة العنصرية كلامي، حتى دب الهم بركابها، واذ بها تتجه نحوي محاولة تهدئتي، في حين كان الزبائن يتلفّتون بمعنى «شو صاير»؟
أصررت على رؤية المدير، إلا أنهم قالوا لي إنه لا يأتي يوم السبت. حسناً، من يحل مكانه؟ وإذا بمسؤولة الطابق «طلعت ما غيرها» الموظفة المتضامنة مع العنصرية. نزلت طابقاً آخر حيث دلوني على المسؤولة هناك. شرحت لها الوضع، فطلبت مني أن أذهب معها لأدلها على السيدتين المذكورتين أعلاه. كانت البائعة الأولى قد عادت الى مكانها محاولة أن تختفي خلف أكوام اللانجري وهي تكتم ضحكة مرتبكة…
«أنا رح اهتم بالموضوع، قالت المسؤولة مردفة «نحنا كتير منحترم الأديان.. ومنحترم جيراننا وما منحب نزعجهم لدرجة انو اذا بدنا نبخّر الصبح، ما منبخّر حتى ما نزعجهم». قلت لها «مين إنتو؟ هون بالمول؟ وللا جمعية الموظفين؟ مين يعني؟» زاد ارتباكها ثم قالت «نحن نحترم كل المؤمنين، ولكن الشاب كان يصلي هنا خلف الستاند، فقلت له أن يصلي في الخارج لأنه لا يجب أن نظهر للزبائن مظاهر دينية»، قلت لها «صحيح، ولكني لا أناقش في هذا… أنا أناقش عنصرية البائعة نفسها وما تفوهت به»، فأجابتني «اسمعيني مدام: نحن نحترم كل المؤمنين مهما كانت طائفتهم… أنا لا أخاف من المؤمنين. لا أخاف إلا من غير المؤمنين»!
قلت لها «إذاً خافي مني… فأنا غير مؤمنة».
لم أكن قد شفيت غليلي من تلك العنصرية الجبانة التي كانت أثناء حديثنا تقبع بنظراتها الزائغة في زاويتها. فما كان مني، وأنا أتوجه الى الباب، إلا أن شتمتها شتيمة ثقيلة بالفرنسية الفصحى!
لكن، ما إن خرجت، حتى احسست باني فعلت شيئا غير مفهوم. قلت لنفسي: «ضحى؟ لماذا شتمتها بالفرنسية؟» وأجبت نفسي «ربما لأني عائدة للتو من عطلتي في فرنسا وما زالت لغة البلد سباقة الى ذهني ولساني». لكني لم أقتنع بهذه الحجة. قلت لنفسي: «أنت أيضاً شتمتها بالفرنسية لأن هناك «كليشيه» مضاداً في عقلك يقول أولاً: إنها لا شك تقدس الفرنسية كونها «من هيداك القاطع»، وثانياً لأنها لغة السيد في خلدها. وثالثاً للقول إنك أنت أيضاً تتحدثين لغة سيدها، وبالتالي لست، حسب الكليشيه نفسه، شرشوحة»!
يا إلهي… هل كنا نرعى، أنا والسيدة العنصرية، في المرعى ذاته؟ قلت لنفسي: أيكون نضالنا اليومي صعباً وعبثياً لهذه الدرجة؟ أي أنه مهما حاولنا تفادي غسيل الدماغ الطائفي في لبنان، فهو سيتسلل الي عقلنا؟ هكذا بقيت حائرة: هل أخجل لأني شتمتها بالفرنسية؟ أم أفرح لأني انتقمت منها “بلغتها”، أم أحزن على نفسي؟
لا أدري. كل ما حضر في بالي لحظتها جملة زياد الرحباني «لا أريد تغيير النظام، كل ما أريده أن لا يغيّرني هذا النظام!».
على ما يبدو : «غيّرنا وخلص يا رفيق».