
ما إن وصل سائق السرفيس إلى التقاطع٬ وأشار له الشرطي المناوب بالتوقف٬ حتى توقف.. تماماً. أي إنه أطفأ المحرك نهائياً كما تفعل باصات سويسرا التي يجبرها القانون على ذلك ما إن تصل إلى إشارة ضوئية. وفهمت أن السائق «اكتشف» النظام السويسري ما ان ضغطت عليه الحاجة. أي إن عقله وجد وحده أفضل الأنظمة ما ان أجبرته ضائقته المادية على التفكير جدياً بذلك. خصوصا ان حياته تحولت٬ منذ رفع سعر البنزين٬ إلى ما يشبه اتفاقية «النفط مقابل الغذاء» الذي كان مفروضا أيام الحصار على العراق.
توقف السرفيس تماما٬ وما إن أضاء اللون البرتقالي حتى مدّ السائق يده إلى مفتاح الاحتكاك٬ فأدار السيارة تأهباً. وتنبهت٬ كمن يكتشف البارود٬ إلى معنى اللون البرتقالي في إشارة السير. ولاحظت ان سائقينا٬ وهنا لا أقصد السرفيس فقط٬ لا يتجاوبون مع إشارات السير الضوئية إلا كالمتطرفين الذين يؤمنون بالحلول القصوى: أحمر او أخضر. أي إنهم لا يعترفون باللون الوسط البرتقالي إلا للتعبير عن قلة صبرهم وتذمرهم من الإشارة الحمراء٬ مع ان هذه الأخيرة لا تدوم أكثر من لحظات. هكذا وما إن تصبح الإشارة حمراء٬ حتى يتوقف السائق٬ فجأة. ثم يبدأ بالتذمر من هذه الوقفة ب«الونونة» أي باستمرار ضغطه على دواسة البنزين من دون رفع القدم الأخرى عن الفرامل. فتصبح السيارة بين يديه كحصان «يحمحم» محتجاً على لجمه عن الهجوم على الأعداء في ساحة الوغى.
يكمل السائق٬ حرق الوقود للتعبير عن «حرق أعصابه» واستعجاله للانطلاق إلى «الحياة العامة» التي تمنعه عنها تلك الإشارة الحمراء. يقف السائق امام الإشارة مرغماً ومستهجناً كأنه يحدث نفسه ساخراً منها: «والله العظيم شغلة يا جماعة». يشهّد السائق «الجماعة» وهم عادة من جيرانه السائقين المتوقفين على مستواه٬ او الركاب الذين يظهرون في شاشة مرآته. يقف السائق «مربّحاً» النظام جميل تنازله وتعطفه على احترام الإشارة. الإشارة الخرساء الطرشاء٬ «العادلة» كما وصفها سائق سرفيس آخر تمنى ان يحلّوها مكان الشرطي على تقاطع بشارة الخوري لأنها «عادلة والشرطي ظالم بيمشي كل خط على ذوقه» كما قال.
يقف السائق للإشارة الحمراء٬ نعم. لكنه يقف «على» ممر المشاة. وهو يتوقف هناك حتى ولو لم يفاجأ بكف الشرطي يوقفه او باللون الأحمر يضيء «فجأة» بعد البرتقالي. يقف فوق الممر المخطط بالأبيض ولو كان معه كل الوقت ليتوقف قبله بأمتار عديدة. كأن السائق لا يطيق أن يلتزم كلياً بالقانون. او كأنه لا يستطيع ان يلتزم بقانونين مرة واحدة: الإشارة الحمراء والتوقف قبل ممر المشاة. كأن عقله «ليس دفترا». أو كأن لا شرطي سير على الإشارة.
كأن؟ وما له هذا الشرطي لا يزجر السائقين للتراجع عن الممرات المخططة بالأبيض والمخصصة للمشاة من المواطنين؟ تلك التي سيجت أخواتها في السوليدير وتحت الأنفاق(!!) مسامير وأضواء حديثة؟ ما له لا يرى الدراجات النارية كأن اختصاصه السيارات والسيارات فقط. وكأن المشاة ينتمون إلى طائفة خارج هذا الاختصاص. كأن المشاة أفران غاز وهو يصلّح مكيفات. وتذكرت مرة اخرى إجابة جاري في الباص السويسري عندما سألته عن سبب توقيف السائق عندهم المحرك تماماً عند الإشارة الحمراء. تذكرت انه قال لي «لئلا يحدث ما قد يدفع بالسيارة إلى الأمام دون إرادة السائق فيؤذي المشاة أثناء مرورهم وهم يعتبرون في القانون عُزلاً كالمدنيين في الحرب». تذكرت ما قاله الجار السويسري وتذكرت ما حدثت به نفسي وقتها متعجبة من هذه «الحنبلية السويسرية» وهي حنبلية إذاً مضاعفة متسائلة ما الذي قد يحدث فيدفع بالسيارة او الباص لاقتحام ممر المشاة وإيذائهم ولو بالفزع؟ تذكرت ذلك وأنا راكبة في سيارة سرفيس متوقفة تماما على ممر المشاة والشرطي لا يزجرنا للتراجع.
قلت للسائق: لم لا تتوقف قبل ممر المشاة؟ فسأل كما لم يسمع: «هه» ونظر إليّ في المرآة مستطلعاً شكل طارح السؤال «الغريب». ثم كنس الهواء بظاهر يده كاليائس! يتوقف السائق ليوفر من تنكة البنزين الغالي الثمن. لكن السيارات مثل الناس: طبقات٬ لا يحتاج بعضها إلى توفير الوقود ولا تهمها البيئة. «لماذا نخاف على بلد لا يخاف علينا؟ يقولونها لك لو سألت. «عمرها ما ترجع.. إذا خربت نهاجر. بلد كأنها زوجة أبيك».
لا يتوقف السائق المستغني عن الوقود والبيئة والبلد تماما على الإشارة. يتابع التقدم ببطء شديد ولو لسنتيمترات وقد تصاعد صوت محركه المتململ كالمقيد في قفص العبودية٬ كأنه «أعطني حريتي أطلق يدي» مع «دعسة بنزين» أكبر على «أطلق يديّ».
يضطر المشاة إلى العبور في المنطقة التي تمر فيها السيارات في منتصف ساحة التقاطع. يمرون وهم ينظرون إلى جهة السير المتوقف خوفاً من فلتان فرامل أحد «المونونين». ترفع السيدة العجوز والأنيقة والتي كانت تساعدها فتاة سريلانكية مبتسمة على المشي٬ جزدانها الأسود القديم اللامع في وجه السيارات المتوقفة كأنها تعلن انها ستعبر الآن. كأن لا ثقة لديها لا بالإشارة ولا بالشرطي ولا بالسيارات «المحمحمة» والمهددة بالانطلاق ما ان يسمح لها الشرطي الذي لا يكترث عادة بالمشاة. ترفع جزدانها كإشارة إضافية تحذر السيارات من التقدم. كعصا مهددة لا سطوة لها إلا كبر سن حاملتها.
ما ان ينتصف عبورها حتى تجد نفسها في مواجهة درّاجة «دليفري» نارية٬ على الرغم من ان خط السير الذي وفدت منه الدرّاجة متوقف بأمر من الشرطي. لا يأبه الشرطي لمخالفة الدرّاجة النارية ولا للخطر الذي كادت تشكله على السيدة. يحافظ الدرّاج على «حمحمة» محركه وهو يتوقف كمن «فوجئ» بالسيدة العجوز تعبر لدى توقف السير على خط المشاة. يشير إليها برأسه الذي علته خوذة حمراء باتجاه الرصيف الآخر وكأنه يسمح لها بالعبور. تفزع السيدة العجوز وتغضب٬ وتسدد ضربة مفاجئة بجزدانها الأسود اللامع العتيق الذي خلصت موضته من زمان إلى كتف الدرّاج «الدليفري». يذهل الجميع لأقل من لحظة. ثم.. يضحك الدرّاج الشاب ويضحك سائق السرفيس الذي كنت في سيارته ملتفتاً إلى شباك السيارة المحاذية، المتوقفة مثلنا على ممر المشاة لكن من دون ان تطفئ المحرك. كما يضحك الشرطي الاختصاصي وهو يهز رأسه يمنة ويسرة كمن يقول لنفسه: عش كثيراً تر أكثر…
*جريدة السفير 4/12/2003