مدونة الكاتبة اللبنانية ضحى شمس

«تلة صرافة»*

«تلة صرافة»*
28/02/2023 doha chams

هكذا إذا؟ بالدولار الأميركي بدلاً من الليرة اللبنانية ستكتب الاسعار على رفوف المخازن في لبنان. والقرار رسمي صادر عن.. وزير الاقتصاد اللبناني شخصياً. ربما كان على هذا القرار، غير المسبوق في اي بلد في العالم، ان يصدر عن وزير الدفاع بدلا عن وزير الاقتصاد. فبموجب مفاعيله، سيتحول الدولار من عملة صعبة اجنبية، مجرد أداة للتبادل التجاري بين الدول، الى سلاح فعلي موجه الى رؤوس من لا يملكون إشهار بعض أوراقه، للدفاع عن أنفسهم في حرب أهلية اقتصادية من نوع جديد.

حرب تقوم على فرز الخنادق بين: من يملكون العملة الصعبة، وبالتالي القدرة على العيش والاستمرار لا بل الارتفاع في سلم الطبقات الاجتماعية (ان كانت لا تزال موجودة) مهما حصل، او بفضل ما حصل، ولمن لا يملك الا عملته الوطنية المتآكلة، وبالتالي، لا يملك شيئاً تقريبا.

خطورة هذا القرار، الى خفته التي لا تحتمل وعبثيته الاقتصادية، لا بل مخالفته لمجرد الحس الوطني السليم، هي في إعلانه المضمر ان الليرة اللبنانية، أي النقد الوطني، أحد رموز استقلال البلاد وسيادتها، انتهت.

انتهت الليرة إذا من دون جنازة وطنية، ومن دون أي تعديل في قانون النقد والتسليف الذي اوجب التعامل الداخلي بالعملة الوطنية التي تعد جزءاً لا يتجزأ مما يسمى بالسيادة، ومنع التداول المحلي بأي عملة أخرى وعاقب بالحبس كل من يخالف هذه القرارات.

انتهت الليرة وانتهت السيادة وانتهى الاستقلال. أصلا من المعيب ان نتحدث عن الاستقلال «بقفاه» في ظل تدخل الكرة الأرضية بشؤونه وادارتها له. وما أعلنه الوزير الذي لا شك سيدخل «كتاب غينيس» للأرقام القياسية، بوصفه اول وزير اقتصاد يسدد الضربة القاضية لعملة بلاده، هو بالفعل الترجمة البليغة لإحساس اللبنانيين بانتهاء صلاحية سيادة واستقلال بلادهم وهو اعلان قد يكون تأجل لسنوات.

فحين تفرض عملة ما نفسها «عملة الواقع» على كيان مختلف، فمعنى ذلك انها تحتل هذا الكيان فعلياً.

بعد الثورة المصرية وفتح معبر رفح، أتيحت لي لحظي الفائق زيارة قطاع غزة. كان حلماً تحقق يومها في أن أزور فلسطين. وحين وصلت الى المعبر الشهير، وهممت بالدخول، اعترض طريقي العديد من الصرافين الذين كانوا يلوحون امام وجهي برزم من اوراقهم النقدية وهم يصيحون «شيكل.. شيكل».

 لا زلت اذكر كيف انني، وبكل سذاجة، نهرت أحدهم، وقد كان وقحاً، صائحة فيه ان يذهب الى الجحيم هو وشيكلاته. كان صراخي على الصراف أقرب الى رعب المفاجأة. مفاجأة من يستفيق ميدانياً على تفاصيل الاحتلال وترجمته في الواقع الفلسطيني. وهي صيحة لم تنتزع من الصراف الا ابتسامة هازئة. ولقد كان محقاً.

حاولت التملص بعد دخولي القطاع من تجرع هذه الكأس المرّة، مستعيضة بالدولار في التعامل اليومي عن الشيكل، الا ان ذلك لم يكن واقعياً لمن يريد الإقامة ولو لعشرة أيام كما فعلت. وحين تضامنت معي الصبية التي كانت تبيعني خطاً في «جوال» وقدمت لي الخط مجانا كي لا اضطر للدفع بالشيكل، خجلت، وقلت لنفسي: من انت حتى تزايدي في المقاطعة على الفلسطينيين الواقعين تحت هذا الاحتلال بالشيكل؟

وفي النهاية، ما هو الفرق بين الشيكل والدولار طالما ان فلسطين لا تطبع عملتها؟

لكننا في لبنان، عكس فلسطين المحتلة، نطبع عملتنا، لا بل اننا نطبع منها الكثير. نطبع ما يكفي لكي تصبح دون قيمة. يقبض الجندي، الواقف في صف الانتظار امام صندوق التعاونية، على ورقة المائة ألف ليرة بيده. يفردها وينظر اليها متأملا كأنه يراها للمرة الأولى. كانت تساوي ٦٧ دولاراً فأصبحت تساوي دولارا وربع.

ينظر الي بمرارة ساخرة ويقول كلمة واحدة: مونوبولي! يقصد الأوراق النقدية التي لا قيمة لها في اللعبة الشهيرة.

أتذكر ان السفارة الاميركية أعلنت عن مساعدة شهرية لعناصر الجيش اللبناني بالدولار الفريش. ماذا عن الجيش؟ الركن الاخر للسيادة والاستقلال؟

ماذا يقول هذا الجندي عندما يقبض المائة دولار التي ستعينه على بلوغ آخر الشهر؟ لمن ولاؤه؟ اسأل نفسي.

في تحية الى عاصي الرحباني في ذكراه الرابعة، يقول ابنه زياد في معرض الرد على لائمي والده، وهو منهم، كونه «اخترع وطناً لا وجود له الا في الأغاني»، ان والده، كان موسيقيا وشاعرا ولم يكن جيولوجياً ليعرف طبيعة الأرض التي قام عليها لبنان، ولم يكن يعلم انه قائم على «تلة صرافة»!

اليوم، أصبح لبنان يشبه أكثر من أي وقت مضى تلة الصرافة. وطن تجار لا يشبعون في بلاد متفلته من أي عقال او قانون، وطن ينهبه مضاربو العملة والصرافين برعاية المصرف المركزي، هذا طبعاً بتواطؤ ارادي او ناتج عن قلة الكفاءة من طبقة سياسية ترثنا جيلا بعد جيل بفضل الطائفية التي نخرت عظام هذا الوطن.

لم يتغير شيء. بالرغم من نزولنا الشوارع ومحاولاتنا للتغيير، وبالرغم من الطبعات المتلاحقة من «غضب الأهالي» التي تتوالى قطعاً للطرقات واقتحاماً للمصارف وحرقاً للدواليب، مسودة بالدخان خريطة الوطن من اوله الى آخره، لم تهتزّ شعرة في مفرق السلطة السياسية والاقتصادية، او مافيات المضاربة النقدية عبر مواقع الواتساب.

وطن تقتصر كينونة اللبناني فيه على صفة المستهلك دون صفة المواطنية الا بالشكل. وطن ينتظر أبناؤه تحويلات المغتربين ليستطيعوا ان يصمدوا، فينتعش النظام بتلك التحويلات وتقوى مقاومته لكل تغيير. وطن يستورد كل شيء، ف«يلبس مما لا ينسج ويأكل مما لا يزرع» كما قال مواطننا المغترب جبران خليل جبران، الذي برأيي لو لم «ينفذ بريشه» هرباً من وطنه الحبيب لبنان، او لو عاش في زماننا هذا، لكان اقصى ما استطاع الوصول اليه ان يكون مفتاحاً انتخابياً في بلدته بشري لقائد القوات اللبنانية سمير جعجع.

*نشر في موقع «العربي الجديد»26-2-2023