مدونة الكاتبة اللبنانية ضحى شمس

اربعون الحرب: لا ثالث ولا اسبوع في المقبرة

اربعون الحرب: لا ثالث ولا اسبوع في المقبرة
13/04/2015 doha chams
امهات المخطوفين
لم تنته الحرب. من هنا نبدأ. أرجح أن يكون أغلبنا عالماً بهذا السر الذائع، وخاصة أهالي من خطفوا أو فقدوا خلال تلك الحرب القذرة. نقول قذرة وكأنما هناك حروب غير قذرة! ربما نقولها لأن الحروب الأهلية، وخاصة تلك التي «تنتهي» على شاكلة ما انتهت إليه حربنا الأخيرة، قذرة بشكل خاص. قذارتها مزيج من صراخ غير مسموع للضحايا، وصمت ثقيل ثقيل للقتلة العائدين إلى الحياة العامة وكأن شيئاً لم يكن «وبراءة الأطفال في أعينهم». صمت يرافق مشاهد فيلم «ما بعد الحرب»: اتفاق الطائف، تقاسم البلد حصصاً بين طوائفه، وبالطبع قبل كل ذلك عفو عام أصدره المتحاربون بأنفسهم عن أنفسهم. ثم، كيف يحمون إنجازاتهم وتجاوزاتهم تلك؟ بكل بساطة: مزيد من المذهبة والتفريق والتفقير.

اليوم، نعيش حرباً أهلية باردة لا يراد لنا أن نخرج منها أبداً. مجرد المقارنة مع حرب البوسنة الشبيهة بحربنا، وما حصل بعدها بخمسة عشر عاماً فقط، من سن قانون للمخطوفين، وإنجاز بنك المعلومات للحمض النووي، ونبش للمقابر الجماعية، وتحديد هويات المئات من الضحايا سنوياً، ومن اعتذارات علنية لزعماء الحرب عما اقترفته أياديهم، نفهم أننا لم نخرج بعد من الحرب الأهلية. خرجت البوسنة من الحرب الأهلية بعد تقسيم البلاد، ولكنها بدأت مسيرة المصالحة وقطعت فيها شوطاً. أما نحن؟ فماذا فعلنا؟ صارت حربنا حروباً، و«شرشت» إقليمياً ودولياً. ولمن يريد أن يفهم أكثر، نقول له:
إن الملف الذي يعتبر مقياساً لمدى خروجنا من الحرب، هو ملف المخطوفين. وهو ملف ينتزع المناضلون الاجتماعيون فيه أصغر مكسب بعناء قلع الضرس من فك زعماء الميليشيات المفترس.
المثابرة مقابل التمييع. الإصرار مقابل المماطلة. الإضاءة مقابل التعتيم. هذا هو خيار المناضلين كلجنة أهالي المخطوفين و«المفكرة القانونية». أما الأهالي؟ فلا خيار لهم إلا المثابرة، وسط رأي عام منهك بالحروب المذهبية، منفضّ عنهم ولو تضامن قلبه معهم. رأي عام غير مقتنع أصلاً بأن الدولة، أو السلطة على الأصح، قد تفعل شيئاً إيجايباً في هذا الصدد. لسبب بسيط: أي خطوة إيجابية في ملف المخطوفين، ستمر غصبباً بمحطة تتناول سيرة القتلة. والقتلة أعادوا تدوير أنفسهم زعماء جدداً. لا بل إن بعضهم يرشح نفسه للرئاسة. عادي. ما الفرق بين سجلاتهم وسجل أي مواطن نظيف؟ لا شيء. لا حكم عليهم، “ولا يمكن أن يكون”، يكاد الموظف يكتب في سجلاتهم العدلية.
لم يستسمحنا أحد منهم على ما فعله بنا. لم يطلب منا أحد الصفح، اللهم إلا أسعد الشفتري، الذي تحول لشدة استهلاكه الى كليشيه ممجوج يكاد يخدم الخاطفين أكثر من أهالي المخطوفين.
أربعون عاماً، ولا يزال قتلة محيي الدين حشيشو المعروفي الوجوه والاسماء طلقاء في صيدا. موجودون ومحميون بالتوازنات السياسية. يماطلون القضاء لعل القدر ينقذهم في بلد يتكل تاريخه على مقولة: أو يموت الحمار أو القاضي أو أموت أنا! لكن نجاة حشيشو، الزوجة المثابرة، تلاحقهم وستظل تفعل ولو بقي من حياتها يوم واحد كما تقول.
كل ما يريده أهالي المخطوفين هو قبر. قبر يزورونه ويذرفون عليه الدمع. يضعون ربما صورة للقتيل، أو يزورونه في العيد ويوزعون أقراص المعمول عن روحه. أضرحة يعشبونها كما تنزع الأم عن بذلة ابنها شعرة، يسقون زهورها، لعل السلوان يأتي من تلك العناية الى الروح رويداً رويداً.
الحرب لم تنته ولن تنتهي هكذا. بدليل أننا اليوم في أربعينها ولا نزال نقول لأهالي المخطوفين: لا ثالث ولا أسبوع في المقبرة.

Comments (0)

Leave a reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*